محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

15

كشف الأسرار النورانية القرآنية

مطر أوليس فقيل المطر إذا هبت الريح لا يكون ، فلما قال من قبل أن ينزل عليهم ، ولم يقل : ( إنهم كانوا مبلسين ) لأن من قبله قد يكون راجيا غالبنا على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب الرياح قال : ( من قبله ) . أي من قبل ما ذكرنا من إرسال الرياح وبسط السحاب ، ثم لما فصل قال : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى [ الرّوم : الآية 50 ] . لما ذكر الدلائل قال لمحي باللام المؤكدة وباسم الفاعل فإن الإنسان إذا قال : إن الملك يعطيك لا يفيد ما يفيد قوله إنه معطيك ؛ لأن الثاني يفيد أنه أعطاك فكان وهو معط متصفا بالعطاء ، والأول يفيد أنه سيتصف ويتبين هذا بقوله : إِنَّكَ مَيِّتٌ [ الزّمر : الآية 30 ] . فإنه آكد من قوله : إنك تموت ، وهو على كل شيء قدير تأكيد لما يفيد الاعتراف ، اعتبر الكون مكونا من طبقات رقيقة موضوعة فوق بعضها تتناقص كثافتها كلما بعدت عن سطح البحر حتى تتخلخل خلخلة يعسر معرفتها ، ويأخذ هذا التخلخل في الزيادة حتى يصل إلى الحمل الذي تنتهي إليه قوة الجذب أي جذب الأرض ، وكلما كانت الموازنة بينها أكمل كان الجو أسكن وأهدأ ، فإذا انقطعت الموازنة بأي سبب كأن اضطربت تلك الكتلة وتحركت ، وابتدأ الاستشعار بالريح ، وأغلب الأسباب المزيلة للموازنة هي تغير الحرارة ، ومد البحر وجزره ، والتيارات المائية القوية ، ورطوبة الهواء وفعل القمر والشمس ، ونقول : إلحاقا لرطوبة الهواء أنه إذا تكاثفت الأبخرة المائية الممسوكة في الجو ، وتكون منها الغمام حصل في كثافة الهواء تغير فجائي ، ويظهر أن هذا هو السبب الأكثر إحداثا للرياح الغير المنتظمة ، ثم إن الرياح أفقية كانت أو عمودية أو مقاطرة تتجه بجميع ضروب الاتجاه فتتقاطع مع بعضها أو تختلط أو يمر بعضها فوق بعض مع سرعة متشابهة أو متخالفة بدون أن تختلط . وقد تدور على نفسها ، وقد لا يكون لها اتجاه معين إنما الغالب في حركات الجو أن تكون موازنة لسطح الأرض هذا وقد ذكر فيما سبق أن حركات الجو تتبع كل اتجاه من ضروب الاتجاه ، وأن مدة تلك الحركات تختلف بجميع أنواع الاختلافات كاتجاهها ؛ ولذلك تنقسم الرياح ثلاثة أنواع : ( الأول ) : الرياح الدائمة أعني التي فعلها دائم واتجاهها يكاد أن لا يختلف أصلا . ( الثاني ) : الرياح الدورية أي التي تبقى ستة أشهر ، وهي التي تهب من مهب واحد في السماء جملة شهور متتابعة من السنة ، ثم في الأشهر الباقية تهب من محل مقابل للأول . ( الثالث ) : الرياح المختلفة التي ليس لها اتجاه مخصوص ولا مدة معينة ، بل كثيرا ما تشاهد منها جملة مجتمعة مع بعضها في آن واحد .